فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 565

له الانقياد التام، ووقف عند أمره ونهيه، مع اعتقاده الأفضلية والأكملية، ولا يغني أحدهما عن الآخر، كحال بعض الناس يعتقد في الشيخ غاية الكمال ويظن أن ذلك يكفيه في نيل غرضه، وحصول مطلبه، وهو غير ممتثل ولا فاعل لما يأمره الشيخ به، أو ينهاه عنه.

فهذا موسى عليه السّلام، مع جلالة قدره وفخامة أمره، طلب لقاء الخضر عليه السّلام وسأل السبيل إلى لقيّه، وتجشم مشاق ومتاعب في سفره، كما قال: {لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا} [الكهف: 62] ومع هذا كله لمّا لم يمتثل نهيا واحدا، وهو قوله: {فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 70] ما انتفع بعلوم الخضر عليه السّلام، مع يقين موسى عليه السّلام الجازم أن الخضر أعلم منه بشهادة الله تعالى، لقوله تعالى عند ما قال موسى عليه السّلام: لا أعلم أحدا أعلم مني: [بلى، عبدنا خضر] وما خصّ علما دون علم، بل عمّم.

وكان موسى عليه السّلام أولا ما علم أن استعداده لا يقبل شيئا من علوم خضر عليه السّلام. وأما خضر عليه السّلام، فإنه علم ذلك أول وهلة فقال: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 67] . وهذا من شواهد علمية الخضر عليه السّلام فلينظر العاقل إلى أدب هذين السيدين.

قال موسى عليه السّلام: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66] أي: هل تأذن في اتباعك، لأتعلم منك؟ ففي هذه الكلمات من حلاوة الأدب ما يذوقها كل سليم الذوق.

وقال خضر عليه السّلام: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 70] وما قال: فلا تسألني، وسكت، فيبقى موسى عليه السّلام حيران متعطشا، بل وعده أنه يحدث له ذكرا، أي: علما بالحكمة فيما فعل، أو ذكرا: بمعنى: تذكرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت