ولعلماء التأويل رأيان في مفهوم {الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}
1 -ذهب بعضهم إلى أن (( الأولى ) )لا يستلزم وجود جاهلية ثانية.
فقال الزجاج: إنما قيل (( الأولى ) )لأن كل متقدم أول، وكل متقدمة أولى. فتأويل (الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) : أنهم تقدموا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - (1) .
2 -وذهب آخرون إلى أن وصف الجاهلية السابقة على الإسلام بأنها جاهلية أولى، يستلزم وجود جاهلية ثانية بعد الإسلام.
قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أرأيت قول الله لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} هل كانت إلا جاهلية واحدة؟
فقال ابن عباس: وهل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟
فقال عمر: لله درّك يا ابن عباس كيف قلت؟
فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين: هل كانت من أولى إلا ولها آخرة
قال عمر: فأت بتصديق ما تقول من كتاب الله.
قال ابن عباس: نعم. هو في قول الله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه} [الحج: 78]
فإن معناها: جاهدوا في الله حق جهاده، كما جاهدتم أول مرة!
قال عمر: فمن أُمِر بالجهاد في هذه الآية؟
قال ابن عباس: قبيلتان من قريش، هما: بنو محزوم، وبنو عبد شمس.
فال عمر: صدقت (2)
يتبين لنا من هذا الحوار العلمي بين عمر وابن عباس - رضي الله عنهما - أن الجاهلية، ليست خاصة بالفترة السابقة على الإسلام، وأنها قد تعود مرة ثانية
(1) . المرجع السابق، 6: 380.
(2) . جامع البيان للطبري، 12: 5