فهرس الكتاب
وكثرت بالحمية. فقيل: حميت على فلان، أي: غضبتُ عليه، ومنه قوله تعالى: {حَمِيَّةَ الجَهِلِيَّةِ} )) (1) .
ومن أجود ما قرأت لمفسرين في تفسير هذه الآية، كلام الإمام محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره (( التحرير والتنوير ) )وسآخذ مقتطفات من كلامه:
قوله: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، ظرف متعلق بفعل (( وصدوكم ) )السابق، في قوله {وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي: صدّوكم صدًّا لا عذر لهم فيه، ولا داعي إليه، إلا حيمة الجاهلية، وإلا فإن الؤمنين جاؤوا مسالمين، معظِّمين حرمة البيت الحرام، سائقين الهدايا لنفع أهل الحرم، فليس من الرشد أن يمنعوا عن العمرة، ولكن حمية الجاهلية غطت على عقولهم، فصمموا على منع المسلمين.
ثم آل النزاع بين الطائفتين إلى المصالحة، على أن يرجع المسلمون هذا العام، وعلى أن يمكنهم المشركون من العمرة في العام القادم.
إن العامين سواء عند الكفار، ولكنهم أرادوا التشفي، لما في قلوبهم من الحقد على المسلمين.
فكان تعليق هذا الظرف (( إذ جعل الذين كفروا ) )بفعل (( وصدوكم ) )مشعرا بتعليل الصد بكونه حمية الجاهلية، ليفيد أن الحمية متمكنة منهم، تظهر فيهم آثارها، ومنهما صدّهم عن المسجد الحرام.
والحمية الأنفة، أي: (( الاستنكاف من أمر، لأنه يراه غضاضة عليه، وأكثر إطلاق ذلك على استكبار لا موجب له، فإن كان له موجب فهو إباء الضيم! ولما كان صدّهم الناس عن زيارة البيت بلا حق- لأن البيت بيت الله لا بيتهم - كان داعي المنع مجرد الحمية.
(1) المفردات للراغب: 258 - 259.