فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 331

وقوله: (( حمية الجاهلية ) )عطف بيان للحمية: (( في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ) ). قُصِد من إجماله ثم تفصيله تقرير مدلوله وتأكيده، وهذا لا يحصل فيما لو قال: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم حمية الجاهلية.

وإضافة الحمية إلى الجاهلية {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} لقصد تحقيرها وتشنيعها، فإنها من خلق أهل الجاهلية، وهذا انتساب ذم في القرآن، كما في قوله: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟} [المائدة: 50] .

وبعكس ذلك إضافة السكينة إلى الضمير العائد على الله: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} فإنها إضافة تشريف، لأن السكينة من الأخلاق الفاضلة، فهي هبة إلهية.

وتفريع قوله: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} على قوله: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} يؤذن بأن الذين آمنوا ودّوا أن يقاتلوا المشركين، وأن يدخلوا مكة للعمرة عنوة، غاضبين من الكفار لصدّهم عنها، ولكن الله أنزل عليهم السكينة.

والمراد بالسكينة: الثبات والأناة أي: جعل في قلوبهم التأني، وصرف العجلة، فعصمهم من مقابلة الحمية بالغضب والانتقام، فقابلوا الحمية بالتعقل والتثبت، فكان في ذلك خير كثير.

وفي هذه الآية من النكث المعنوية:

-مقابلة (( جَعَلَ ) )بفعل (( أنْزَلَ ) )في قوله: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} وقوله: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، فدلّ على شرف السكينة على الحمية، لأن الإنزال تخييل للرفعة.

-ومنها إضافة الحمية إلى الجاهلية، وإضافة السكينة إلى اسم الله ذاته ..

-وعطف على إنزال الله سكينته {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} ، أي: جعل كلمة التقوى لازمة لهم، لا يفارقونها ... )) (1) .

(1) التفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، 26: 193 - 195 باختصار وتصرف يسير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت