وأختم هذه النقول في تفسير الآية بكلام لسيد قطب رحمه الله:
{إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} حمية لا لعقيدة ولا لمنهج، إنما هي حمية الكبر والفخر والبطر والتعنت. الحمية التي جعلتهم يقفون في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه، يمنعونهم من المسجد الحرام، ويحبسون الهَدْي الذي ساقوه، أن يبلغ محلّه الذي ينحر فيه .. مخالفين بذلك عن كل عرف وكل عقيدة، كي لا تقول العرب: إنه دخلها عليهم عنوة .. ففي سبيل هذه النعرة الجاهلية يرتكبون هذه الكبيرة الكريهة في كل عرف ودين، وينتهكون حرمة البيت الحرام، الذي يعيشون على حساب قداسته، وينتهكون حرمة الأشهر الحرام، التي لم تُنتهك في جاهلية ولا إسلام، وهي الحمية التي بدت في تحببيههم لكل من أشار عليهم - أول الأمر - بخطة مسالمة، وعابَ عليهم صدّ محمد ومن معه عن بيت الله الحرام .. وهي كذلك التي تبدت في ردّ سهيل بن عمرو لاسم (( الرحمن الرحم ) )ولصفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أثناء الكتابة .. وهي كلها تنبع من تلك الجاهلية المتعجرفة المتعنتة بغير حق.
وقد جعل الله الحمية في نفوسهم على هذا النحو الجاهلي، لما يعلمه في نفوسهم من جفوة عن الحق والخضوع له. أما المؤمنون فحماهم من هذه الحمية، وأحلّ محلها السكينة والتقوى .. )) (1) .
وعند ما ننظر في تعبير الآية عن عصبية وتعنت الكفار بحمية الجاهلية: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} فسوف ندرك قوة وتعمق هذه العصبية في قلوبهم.
و (( الحمية ) )مشتقة من (( الحَمْي ) )كما مرّ معنا، وهو الحرارة الشديدة العالية المرتفعة، كما تقول: أحميت النار، فحميت، حتى صارت حامية، أي: شديدة الحرارة.
فلما تعنت كفار قريش وتعصّبوا، وأصروا على منع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من دخول البيت الحرام، كانت (( جاهليتهم ) )هي التي تقف وراء ذلك المنع، وهي التي تدفعهم إلى
(1) في ظلال القرآن، 6: 3329.