4 -ونقيض اللين والرفق هو الفظاظة والجلافة والغلظة، فإذا تعامل الحاكم مع الرعية بهذه الصفات فسوف يُشقيهم ويزعجهم ويشقّ عليهم، ويفسد حياتهم، ويقضي على حرياتهم ومواهبهم.
قد يظن حاكم أن تعامله مع الرعية باللين يجعله ضعيفًا أمامهم، ويُطمعهم فيه، ويظن أنه لن يفرض احترامه عليهم، ولن يضمن طاعتهم وخضوعهم إلا بالشدة والغلظة والفظاظة.
وهذا ظن خاطئ، إن اللين معهم لا يعني الضعف، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هينًا لينًا سمِحًا ودودًا متواضعًا، وهذا من أسباب محبتهم له، وارتباطهم به، وطاعته وتنفيذ أوامره.
لو لجأ الحاكم إلى الفظاظة والغلظة لكرّه الرعية به، وأدى إلى انصرافهم عنه، وانفضاضهم من حوله {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} .
وعند ذلك سيلجأ هذا الحاكم إلى الاستبداد والشدة بحجة عصيانهم له ونفورهم منه، وبذلك يُشقيهم ويشقُّ عليهم! وهو السبب في ذلك ولسوا هم!!.
5 -يأمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكل حاكم من بعده - بالعفو عن المسلمين، وهذا العفو من مظاهر اللين لهم والرحمة به: {فَاعْفُ عَنْهُمْ} .
إن الناس قد يقصّرون وقد يضعفون، وقد يُخطئون ويعصون، وعلى الحاكم أن يكون رفيقًا بهم حريصًا عليهم، وأن يكون أكبر منهم قلبًا، وأكثر منهم حلمًا، فلا يحاسب على كل صغيرة، ولا ينسى أية إساءة، بل يتجاوز عن المسيء، ويعفو عن المخطئ، وبذلك يُربّيهم، ويزيدهم محبةً وطاعةً له.
6 -بعد العفو عن الرعية يوجه الله الحاكم إلى الاستغفار لهم {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} .
والاستغفار لهم بأن يدعو الله لهم، ويطلب منه سبحانه يتوب على المخطئين المقصرين، وأن يغفر لهم.
وهو يفعل ذلك بعد ما عفا هو عنهم وسامحهم، واستغفاره لهم من مظاهر محبته لهم، وإشفاقه وحرصه عليهم، وهذا يوحي بأن الأصل في الحاكم أن يكون أكثر أفراد الرعية إيمانًا وعبادةً وتقوى، وطاعةً لله، وإقبالًا عليه.