فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرْضِعَةَ ضَامِنَةٌ ، يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِغُرْمِ التَّحْرِيمِ سَوَاءٌ قَصَدَتِ الْمُرْضِعَةُ التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ تَقْصِدْهُ .
الجزء الحادي عشر < 382 > وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُرْضِعَةَ غَيْرُ ضَامِنَةٍ لِغُرْمِ التَّحْرِيمِ سَوَاءٌ قَصَدَتِ التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ تَقْصِدْهُ بِأَنْ خَافَتْ تَلَفَ الصَّغِيرَةِ ، فَأَرْضَعَتْهَا أَوِ اسْتُؤْجِرَتْ مُرْضِعًا لَهَا .
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا إِنْ قَصَدَتِ التَّحْرِيمَ ضَمِنَتْ ، وَإِنْ لَمْ تَقْصِدْهُ لَمْ تَضْمَنْ ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ تَحْرِيمَ الرِّضَاعِ سَبَبٌ ؛ لِأَنَّ الرِّضَاعَ يُثْبِتُ الْحُرْمَةَ ، ثُمَّ يَبْطُلُ النِّكَاحُ بِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ ، وَالِاسْتِهْلَاكُ إِذَا كَانَ بِسَبَبٍ لَمْ يَكُنْ عَنْ مُبَاشَرَةٍ ، فُرِّقَ فِيهِ بَيْنَ التَّعَدِّي بِالْقَصْدِ ، وَبَيْنَ مَنْ لَيْسَ بِقَاصِدٍ وَلَا مُتَعَدٍّ ، كَحَافِرِ الْبِئْرِ إِنْ تَعَدَّى بِحَفْرِهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ضَمِنَ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِحَفْرِهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ إِلَى قَوْلِهِ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا فَمَنَحَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ رَدَّ الْمُسْلِمَةَ الْمُهَاجِرَةَ عَلَى زَوْجِهَا مَعَ اشْتِرَاطِ رَدِّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِمْ وَأَوْجَبُ غُرْمَ مَهْرِهَا لِلزَّوْجِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ