التَّقْلِيدُ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَصَّلُ إِلَى الْحُكْمِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ بِالسُّؤَالِ عَنْ وَجْهِ الدَّلِيلِ فَيَصِلُ بِاجْتِهَادِهِ وَنَظَرِهِ بَعْدَ السُّؤَالِ وَالْكَشْفِ إِلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ ، فَهَذَا مَا فِي تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ لِلْمُجْتَهِدِ ، وَهَذَا الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ بِالنَّهْيِ عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ .
فَصْلٌ: قَوْلُهُ:"لِيَنْظُرَ فِيهِ لِدِينِهِ"فَالْمَعْنَى بِالنَّاظِرِ هُوَ الْمُرِيدُ ، وَالنَّظَرُ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: نَظَرُ مُشَاهَدَةٍ بِالْبَصَرِ .
وَالثَّانِي: نَظَرُ فِكْرٍ بِالْقَلْبِ ، وَمُرَادُهُ هُوَ الْفِكْرُ بِالْقَلْبِ دُونَ الْمُشَاهَدَةِ بِالْبَصَرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [ الْأَعْرَافِ: ] .
يَعْنِي أَفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا بِقُلُوبِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ:"لِيَنْظُرَ فِيهِ لِدِينِهِ"تَأْوِيلَانِ عَلَى مَا مَضَى .
أَحَدُهُمَا: فِي الْعِلْمِ .
وَالثَّانِي: فِي مُخْتَصَرِهِ هَذَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ"لِدِينِهِ"فَلِأَنَّ الْفِقْهَ عِلْمٌ دِينِيٌّ ، فَالنَّاظِرُ فِيهِ نَاظِرٌ فِي دِينِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ"وَيَحْتَاطُ لِنَفْسِهِ": أَيْ لِيَطْلُبَ الِاحْتِيَاطَ لِنَفْسِهِ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْمَذَاهِبِ فَتَرَكَ التَّقْلِيدَ بِطَلَبِ الدَّلَالَةِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .