الْمُرْضَعَ يُنْسَبُ إِلَى أَحَدِهِمَا ، كَمَا كَانَ الْمَوْلُودُ يُنْسَبُ إِلَى أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ فَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُهُ .
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا انْتَسَبَ الْمَوْلُودُ ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ جَاذِبٌ ، وَالشَّبَهَ غَالِبٌ ، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الجزء الحادي عشر < 395 > الْمُرْضَعِ ؛ وَلِذَلِكَ رُجِعَ إِلَى الْقَافَةِ فِي الْمَوْلُودِ ، وَلَمْ يُرْجَعْ إِلَيْهِمْ فِي الْمُرْضَعِ .
قِيلَ: قَدْ يُحْدِثُ الرِّضَاعُ مِنْ شَبَهِ الْأَخْلَاقِ مِثْلَ مَا تُحْدِثُهُ الْوِلَادَةُ مِنْ شَبَهِ الْأَجْسَامِ وَالصَّوْتِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} : لَا تَسْتَرْضِعُوا الْحَمْقَى فَإِنَّ اللَّبَنَ يُغَذِّي .
وَقَالَ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} : أَنَا أَفْصَحُ الْعَرَبِ بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ ، وَأَخْوَالِي بَنُو زُهْرَةَ وَارْتُضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ .
وَرَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا ، فَقَالَ: أَنْتَ مِنْ بَنِي فُلَانٍ ؟ قَالَ مِنْهُمْ رِضَاعًا لَا نَسَبًا فَأَضَافَهُ إِلَيْهِمْ بِشَبَهِ الْأَخْلَاقِ كَمَا تُضِيفُهُ الْقَافَةُ بِشَبَهِ الْأَجْسَامِ ، وَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَى الْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِ الْمُرْضَعِ ، وَإِنْ عُوِّلَ عَلَيْهِمْ فِي إِلْحَاقِ الْمَوْلُودِ ؛ لِأَنَّ شَبَهَ الْأَجْسَامِ وَالصُّوَرِ أَقْوَى بِظُهُورِهِ ، وَشَبَهَ الْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ أَضْعَفُ لَحْقًا بِهِ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنْهُ أُبُوَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي الِانْتِسَابِ إِلَى أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْأَنْسَابَ تَثْبُتُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: بِالْفِرَاشِ ، ثُمَّ الْقَافَةِ ، ثُمَّ الِانْتِسَابِ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الرِّضَاعِ فِرَاشٌ ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِالْقَافَةِ