مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَإِنْ قُتِلَ بَاغٍ فِي الْمُعْتَرَكِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ ."
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالشَّهِيدِ .
وَالْآخَرُ: أَنَّهُ كَالْمَوْتَى ، إِلَّا مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ"."
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ حكمه: فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ اسْتِهَانَةً بِهِ وَعُقُوبَةً لَهُ: لِمُخَالَفَتِهِ فِي الدِّينِ ، كَأَهْلِ الْحَرْبِ .
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} : فُرِضَ عَلَى أُمَّتِي غُسْلُ مَوْتَاهَا ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهَا .
وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مَقْتُولٌ بِحَقٍّ ، فَلَمْ يَمْنَعْ قَتْلُهُ مِنْ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، كَالزَّانِي وَالْمُقْتَصِّ مِنْهُ ، بَلْ هَذَا أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ مِنْهُمَا: لِأَنَّ الزَّانِيَ فَاسْقٌ ، وَهَذَا مُتَرَدِّدُ الْحَالِ بَيْنَ فِسْقٍ وَعَدَالَةٍ .
فَأَمَّا اسْتِهَانَتُهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَهَانَ بِمَخْلُوقٍ فِي إِضَاعَةِ حُقُوقِ الْخَالِقِ .
وَأَمَّا جَعْلُ ذَلِكَ عُقُوبَةً ، فَالْعُقُوبَةُ إِنَّمَا تَتَوَجَّهُ إِلَى مَنْ يَأْلَمُ بِهَا: وَلِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ .
فَإِنْ قِيلَ: يُعَاقَبُ بِهَا الْحَيُّ مِنْهُمْ .
قِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ أَحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ، عَلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ قُرْبَةً لَهُمْ .