مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَمَا جَرَحَ أَوْ أَفْسَدَ فِي رِدَّتِهِ ، أُخِذَ بِهِ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو مَا أَتْلَفَهُ الْمُرْتَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ .
فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ لَا يَمْتَنِعُ بِهِمْ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ ، عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ ، وَضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ: لِأَنَّ إِسْلَامَهُ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْتِزَامَ أَحْكَامِهِ ، وَهُوَ يَضْمَنُهَا قَبْلَ الرِّدَّةِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ضَمَانُهَا بِالرِّدَّةِ ، لِأَنَّهَا زَادَتْهُ تَغْلِيظًا لَا تَخْفِيفًا .
وَإِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عَنِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ إِلَّا بِالْقِتَالِ: فَمَا أَتْلَفُوهُ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ ضَمِنُوهُ ، وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي الْقِتَالِ ، فَفِي ضَمَانِ أَهْلِ الْبَغْيِ لَهُ قَوْلَانِ .
فَأَمَّا أَهْلُ الرِّدَّةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِمْ: فَذَهَبَ أَبُو حَامِدٍ الِإِسْفِرَايِينِيُّ وَأَكْثَرُ الْبَغْدَادِيِّينَ إِلَى أَنَّ فِي وُجُوبِ ضَمَانِهِمْ قَوْلَيْنِ كَأَهْلِ الْبَغْيِ: أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُونَ كَمَا يَضْمَنُ الْمُحَارِبُونَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ .
وَالثَّانِي: لَا يَضْمَنُونَ كَمَا لَا يَضْمَنُ الْمُشْرِكُونَ .
وَذَهَبَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ وَأَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ إِلَى أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَإِنْ كَانَ فِي ضَمَانِ أَهْلِ الْبَغْيِ قَوْلَانِ ، لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا: بِأَنَّ لِأَهْلِ الْبَغْيِ إِمَامًا تُنَفَّذُ أَحْكَامُهُ ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ إِمَامٌ يُنَفَّذُ لَهُ حُكْمٌ .
الجزء الثالث عشر < 183 >