وَكَذَلِكَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَمَا اخْتُلِفَ فِي بَيْعِهِ لَمْ يُقْطَعْ فِي سَرِقَتِهِ ، كَالْكَلْبِ [ وَالْخَمْرِ ] ، وَالْخِنْزِيرِ مَعَ الذِّمِّيِّ .
وَدَلِيلُنَا: مَعَ عُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّهُ نَوْعُ مَالٍ فَجَازَ الْقَطْعُ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ .
فَإِنْ مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ مَالًا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِجَوَازِ بَيْعِهِ وَإِبَاحَةِ ثَمَنِهِ ، وَضَمَانِهِ بِالْيَدِ ، وَغُرْمِ قِيمَتِهِ بِالْإِتْلَافِ ، وَاخْتِصَاصِهِ بِسُوقٍ يُبَاعُ فِيهَا ، كَمَا يَخْتَصُّ كُلُّ نَوْعٍ مِنَ الْأَمْوَالِ بِسُوقٍ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ فِي وَرَقِ الْمُصْحَفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا ، كَانَ الْقَطْعُ فِيهِ بَعْدَ كِتَابَتِهِ أَوْلَى: لِأَنَّ ثَمَنَهُ أَزْيَدُ وَالرَّغْبَةُ فِيهِ أَكْثَرُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ ، وَيَسْقُطَ الْقَطْعُ مَعَ الزِّيَادَةِ ، وَهَذَا أَلْزَمُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: لِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي الْخَشَبِ وَالْعَاجِ قَبْلَ الْعَمَلِ فِيهِ ، وَيَقْطَعُ فِيهِ بَعْدَ عَمَلِهِ وَإِحْدَاثِ صَنْعَةٍ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ الْمَرْغُوبِ فِيهَا: لِيُزْجَرَ عَنْ سَرِقَتِهَا فَتُحْفَظَ عَلَى مَالِكِهَا ، وَقَدْ تَكُونُ الرَّغْبَةُ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبِ أَكْثَرَ ، فَكَانَتْ بِوُجُوبِ الْقَطْعِ أَحَقَّ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا قَطْعَ فِيهَا .
فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْقِرَاءَةَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ كَمَا أَنَّ مَنْفَعَةَ الثِّيَابِ لِبَاسُهَا ، وَمَنْفَعَةَ الدَّوَابِّ رُكُوبُهَا ، وَالْقَطْعُ يَجِبُ فِي الْأَعْيَانِ دُونَ الْمَنَافِعِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ مُشْتَرَكٌ تَلْزَمُ إِعَارَتُهُ ، فَدَعْوَى غَيْرُ