بِالرَّائِحَةِ عَلَيْهَا إِذَا شُوهِدَتْ: لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ جِسْمِهَا يَنْفِي عَنْهَا ظُنُونَ الِاشْتِبَاهِ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ وَانْفِصَالٌ .
فَأَمَّا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} بِاسْتِنْكَاهِ مَاعِزٍ ، فَلِأَنَّهُ رَآهُ ثَائِرَ الشَّعْرِ ، مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ ، مُقِرًّا بِالزِّنَا .
فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ حَالَتُهُ فِي ثَبَاتِ عَقْلِهِ أَوْ زَوَالِهِ ، فَأَرَادَ اخْتِبَارَ حَالِهِ بِاسْتِنْكَاهِهِ ، وَلَمْ يُعَلِّقْ بِالِاسْتِنْكَاهِ حُكْمًا .
وَأَمَّا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإِنَّهُ سَأَلَ ابْنَهُ حِينَ شَمِّ مِنْهُ الرَّائِحَةَ ، فَاعْتَرَفَ بِشُرْبِ الطِّلَا ، فَحَدَّهُ بِاعْتِرَافِهِ .
وَأَمَّا عُثْمَانُ: فَلِأَنَّهُ لَمَّا اقْتَرَنَ بِشَهَادَةِ الْقَيْءِ شَهَادَةُ الشُّرْبِ ، جَازَ أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا .
الجزء الثالث عشر < 410 > فَصْلٌ: وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ سُكْرِهِ ، فَيَعْتَرِفَ بِشُرْبِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ .
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحُدُّهُ بِالسُّكْرِ ، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ .
وَهَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّ الْمُسْكِرَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُوجِبٌ لِلْحَدِّ ، وَهُوَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ مُخْتَارًا مَعَ الْعِلْمِ بِهَا .
وَالثَّانِي: غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ ، وَهُوَ أَنْ يَشْرَبَهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا ، أَوْ مُكْرَهًا عَلَيْهَا ، فَكَانَ إِدْرَاءُ الْحَدِّ عَنْهُ بِالشُّبْهَةِ أَوْلَى مِنْ إِثْبَاتِهِ بِهَا .
لِقَوْلِ النَّبِيِّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} : ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبْهَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .