فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَنِ الْحُدُودِ إِذَا وَجَبَتْ ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى الْإِمَامِ فِيهَا الحدود ، وَإِنْ جَازَ الْعَفْوُ عَنِ التَّعْزِيرِ وَجَازَتِ الشَّفَاعَةُ فِيهِ .
رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} : تَعَافَوْا عَنِ الْحُدُودِ فِيمَا بَيْنَكُمْ ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ .
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} أَنَّهُ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، أَنَّ النَّبِيَّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} جَلَدَ رَجُلًا فِي شَرَابٍ ، فَقَالَ شِعْرًا: أَلَا أَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي بِحَقٍّ مَا سَرَقْتُ وَلَا زَنَيْتُ شَرِبْتُ شَرْبَةً لَا عِرْضَ أَبْقَتْ وَلَا مَا لَذَّةٌ فِيهَا قَضَيْتُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} فَقَالَ: لَوْ بَلَغَنِي قَبْلَ أَنْ أَجْلِدَهُ لَمْ أَجْلِدْهُ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْعَفْوِ عَنِ الْحُدُودِ .
قِيلَ: هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ لَا يُعَارَضُ بِهِ مَا كَانَ مُتَّصِلًا ثَابِتًا ، وَلَوْ ثَبَتَ وَصَحَّ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِشِعْرِهِ عَلَى تَقَدُّمِ تَوْبَتِهِ .
وَإِمَّا أَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا ، وَكَانَ تَعْزِيرًا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ .
الجزء الثالث عشر < 440 > ثُمَّ اسْتَقَرَّ حَدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ فَلَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ عَنْهُ .