فهرس الكتاب
أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ ، [ التَّوْبَةِ: 29 ] .
وَلِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَنْتَسِبُونَ إِلَى نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ ، وَيَتَعَبَّدُونَ بِدِينٍ مَشْرُوعٍ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ كِتَابٍ يَلْتَزِمُونَ أَحْكَامَهُ ، وَيَعْتَقِدُونَ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ لو قيل أن المجوس ليسوا بأهل كتاب فهل تحل مناكحهم وأكل ذبائحهم جَازَ إِقْرَارُهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَجُزِ اسْتِبَاحَةُ مَنَاكِحِهِمْ المجوس ، وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ المجوس .
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي: إِنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ فَفِي اسْتِبَاحَةِ مَنَاكِحِهِمْ ، وَأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: أَحَدُهُمَا: يَحِلُّ نِكَاحُ نِسَائِهِمْ ، وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ لِثُبُوتِ كِتَابِهِمْ ، وَلِأَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ نَكَحَ مَجُوسِيَّةً بِالْعِرَاقِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ ، وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ: لِأَنَّ كِتَابَهُمْ رُفِعَ ، فَارْتَفَعَ حُكْمُهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ، مَعَ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأَعْصَارِ أَنَّهُ قَوْلُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَمَا عَلِمْنَا مُخَالِفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى بُعِثَ نَبِيٌّ مِنَ الْكَرْخِ يَعْنِي أَبَا ثَوْرٍ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا تَفَرَّدَ بِقَوْلٍ خَالَفَ فِيهِ مَنْ تَقَدَّمَهُ صَارَ كَنَبِيٍّ يُشَرِّعُ الْأَحْكَامَ .
الجزء الرابع عشر < 294 >