لِأَنَّهُ لَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يُعَامِلَهُمْ بِمَا يَعْدِلُ فِيهِ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَوْلِهُ: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [ التَّوْبَةِ: 29 ] وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ ، وَأَوْجَبُوهَا عَلَيْهِمْ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ .
وَتَفَرَّدَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْقَاطِهَا عَنْهُمْ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - عَامَلَهُمْ عَلَى الجزء الرابع عشر < 370 > نَخِيلِ خَيْبَرَ حِينَ فَتَحَهَا ، وَهَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ لَا تَقْتَضِي سُقُوطَ الْجِزْيَةِ .
وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إِذَا هَادَنَ قَوْمًا أَنْ يَكْتُبَ عَقْدَ الْهُدْنَةِ فِي كِتَابٍ يَشْهَدُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ ، لِيَشْمَلَ بِهِ الْأَئِمَّةَ بَعْدَهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ: لَكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ وَذِمَّتِي ، وَكَذَا فِي الْأَمَانِ: لَكُمْ أَمَانُ اللَّهِ وَأَمَانُ رَسُولِهِ وَأَمَانِي ، وَحَرَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ذَلِكَ ، وَكَرِهَهُ آخَرُونَ: لِأَنَّهُ رُبَّمَا خُفِرَتِ الذِّمَّةُ ، فَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُخْفَرَ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ، وَهَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ لَكُمْ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الْوَفَاءِ بِالذِّمَّةِ وَالْأَمَانِ ، فَلَمْ يَنْسُبْ إِلَيْهِمَا مَا تُخْفَرُ بِهِ ذِمَّتُهُمَا .