أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يُرَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أُضَحِّي وَأَنَا مُوسِرٌ لِئَلَّا يُقَدِّرَ جِيرَانِي أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيَّ .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ أَعْطَى عِكْرِمَةَ دِرْهَمَيْنِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا لَحْمًا ، وَقَالَ: مَنْ سَأَلَكَ عَنْ هَذَا فَقُلْ: هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ .
فَإِنْ قِيلَ: فَلَعَلَّ ذَلِكَ لِعُدْمٍ ، قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: عِنْدِي نَفَقَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً ، كُلَّ يَوْمٍ أَلْفٌ .
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ إِرَاقَةُ دَمٍ ، لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ الأضحية ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْحَاضِرِ كَالْعَقِيقَةِ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْعَقِيقَةُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ كَالْمُسَافِرِ ، وَلِأَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْحَاضِرِ ، كَالْوَاجِدِ لِأَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ ، وَلِأَنَّ مَا سَقَطَ وُجُوبُهُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ مَعَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ سَقَطَ وُجُوبُهُ فِي وَقْتِهِ مَعَ إِمْكَانِ الْأَدَاءِ ، كَسَائِرِ السُّنَنِ طَرْدًا ، وَجَمِيعِ الْفُرُوضِ عَكْسًا ، وَلِأَنَّ كُلَّ ذَبِيحَةٍ حَلَّ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا ذَبْحُهَا كَالتَّطَوُّعِ طَرْدًا ، وَدَمِ الْمَنَاسِكِ عَكْسًا .
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ ، فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، مِنِ اخْتِلَافِ التَّأْوِيلِ فِيهَا ، ثُمَّ لَا يُمْنَعُ حَمْلُهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، لِمَا ذَكَرْنَا .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} : عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: