فهرس الكتاب
يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النِّسَاءِ: ] .
فَوَرَدَتِ الْآيَةُ بِإِبَاحَةِ الْقَصْرِ بِشَرْطِ الْخَوْفِ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَقَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ ، فَلَمْ يَجُزِ الْقَصْرُ فِي غَيْرِهِ ، قَالُوا: وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْإِتْمَامَ وَاجِبٌ ، وَتَرْكُ الْوَاجِبِ لَا يَجُوزُ إِلَى غَيْرِ وَاجِبٍ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إِلَى وَاجِبٍ كَتَرْكِ التَّسَتُّرِ لِلْخِتَانِ ، وَهَذَا غَلَطٌ .
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقُلْتُ: أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَصْرَ فِي الْخَوْفِ ، فَمَا بَالُنَا نَقْصُرُ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ ؟ فَقَالَ: قَدْ عَجِبْتُ مِمَّا قَدْ عَجِبْتَ الجزء الثاني < 359 > مِنْهُ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} فَقَالَ:"الْقَصْرُ رُخْصَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقَصْرَ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ صَدَقَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} أَنَّهُ سَافَرَ أَيْنًا فَقَصَرَ الصَّلَاةَ ."
فَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ بِالْآيَةِ فَهِيَ وَإِنِ اقْتَضَتْ جَوَازَ الْقَصْرِ فِي الْجِهَادِ فَالسُّنَّةُ تَقْتَضِي جَوَازَهُ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ ، فَاسْتَعْمَلْنَاهُمَا مَعًا ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ:"لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ إِلَى غَيْرِ وَاجِبٍ"فَمُنْتَقَضٌ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْفِطْرُ ، لِأَنَّ دَاوُدَ يُجَوِّزُهُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ ، وَهُوَ تَرْكُ وَاجِبٍ إِلَى غَيْرِ وَاجِبٍ ، وَالثَّانِي الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ جَائِزٌ وَهُوَ