فَصْلٌ: وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّبَهِ فِي الْأَنْسَابِ ، إِذَا اشْتَبَهَتْ ، وَالْعَمَلِ فِيهَا بِالْقِيَافَةِ ، مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي صَدْرِ الْبَابِ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا ، قَالَتْ: دَخْلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} أَعْرِفُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ .
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: تَبْرُقُ سَرَائِرُ وَجْهِهِ ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَى أَنْ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ إِلَى أُسَامَةَ وَزَيْدٍ ، عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ ، قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا ، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ .
فَفِيهِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ قَصِيرًا عَرِيضَ الْأَكْتَافِ أَخْنَسَ أَبْيَضَ اللَّوْنِ ، وَكَانَ أُسَامَةُ مَدِيدَ الْقَامَةِ أَقْنَى أَسْوَدَ الجزء السابع عشر < 383 > اللَّوْنِ ، وَكَانَ زَيْدٌ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} يَكْرَهُ الْقَدْحَ فِيهِ وَفِي أُسَامَةَ ، فَلَمَّا جَمَعَ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيُّ بَيْنَهُمَا فِي النَّسَبِ ، بِقَوْلِهِ:"هَذِهِ أَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"سُرَّ رَسُولُ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} بُقُولِهِ لِزَوَالِ الْقَدْحِ فِيهِمَا ، مِمَّنْ كَانَ يَطْعَنُ فِي نَسَبِهِمَا ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقِيَافَةُ حَقًا ، لَمَا سُرَّ بِهَا ، لِأَنَّهُ لَا يُسَرُّ بِبَاطِلٍ ، وَلَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَصَابَ ، لِأَنْ لَا يَأْمَنَ مِنَ الْخَطَأِ فِي غَيْرِهِ .
وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ مَأْخُوذٌ عَنِ