فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إِقَامَةِ الْجُمْعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِمَا سَبَقَ مِنَ الدَّلَالَةِ ، وَيُصَلِّي النَّاسُ إِذَا ضَاقَ بِهِمْ فِي الشَّوَارِعِ وَالْأَفْنِيَةِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَفْتَى بِهِ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ تَجُوزُ إِقَامَةُ الْجُمْعَةِ فِي مَوَاضِعَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ: لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ هَذَا الْمِصْرِ الْعَظِيمِ أَنْ الجزء الثاني < 449 > يُصَلُّوا إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَطَالَ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ ، وَلَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْمُتَعَارَفِ ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْإِمَامِ: لِأَنَّ الْإِمَامَ إِنْ كَبَّرَ عَلَى الْعَادَةِ لَمْ يَصِلِ التَّكْبِيرُ إِلَى آخِرِهِمْ إِلَّا بَعْدَ تَكْبِيرِهِ لِرُكْنٍ ثَانٍ ، فَيَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ التَّكْبِيرُ ، وَتَخْتَلِطُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ ، وَإِنْ كَبَّرَ وَانْتَظَرَ بُلُوغَ التَّكْبِيرِ إِلَى آخِرِهِمْ طَالَ الزَّمَانُ ، وَتَفَاحَشَ الِانْتِظَارُ ، فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى إِقَامَتِهَا فِي مَوَاضِعَ .
فَزَعَمَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الْجَوِينَ غَيْرُ الْبَصْرَةِ ، وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَصْلِ دَسْكَرَةً وَأُضِيفَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَازَ إِقَامَةُ الْجُمْعَةِ بِهَا وَجْهًا وَاحِدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .