فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُغَسِّلَ زَوْجَتَهُ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَسِّلَهَا ذَاتُ مَحْرَمٍ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَذَاتُ رَحِمٍ مِنْهُنَّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَامْرَأَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ أَوْلَى بِالنِّسَاءِ ، وَالزَّوْجُ أَوْلَى الرِّجَالِ بِزَوْجَتِهِ ، فَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا مَاتَتْ لَهُ زَوْجَةٌ ذِمِّيَّةٌ جَازَ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَهَا إِنْ رَضِيَ أَوْلِيَاؤُهَا مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهَا ، وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا مَاتَ وَلَهُ زَوْجَةٌ ذِمِّيَّةٌ فهل لها غسله ؟ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَرِهْتُ أَنْ تُغَسِّلَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ غَسَّلَتْهُ جَازَ ؛ لِحُصُولِ الْغُسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَنَّ مَيِّتًا غَسَّلَهُ السَّيْلُ أَوِ الْمَطَرُ فهل يجزه ؟ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ الْغُسْلُ مَوْجُودًا ، قُلْنَا: لِأَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَيِّتِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْنَا فِي الْمَيِّتِ ، فَإِذَا غَسَّلَهُ السَّيْلُ وَالْمَطَرُ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنَّا لَمْ يُوجَدْ ، وَكَذَا الْغَرِيقُ غُسْلُهُ وَاجِبٌ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا وَجَبَتِ النِّيَّةُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ وَاجِبَةٌ ، قُلْنَا: فِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ وَاجِبَةٌ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النِّيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهُوَ أَشْبَهُ بِنَصِّ الشَّافِعِيِّ ، لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ ، فَلَمَّا لَمْ تَجِبْ فِيهِ النِّيَّةُ وَإِنْ وَجَبَتْ فِي غَيْرِهِ .
الجزء الثالث < 18 >