أَبُو حَنِيفَةَ: مَا عَجَّلَهُ كَالتَّالِفِ لَا يَجِبُ ضَمُّهُ إِلَى مَا فِي يَدِهِ وَلَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ مَعَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً أَنْ يُعَجِّلَ مِنْهَا شَاةً ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ يَقِلُّ عَنِ النِّصَابِ ، فَإِنْ عَجَّلَ مِنْهَا شَاةً كَانَتْ كَالتَّالِفَةِ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا بَقِيَ ؛ لِنَقْصِهِ عَنِ النِّصَابِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ شَاةً ، جَازَ أَنْ يُعَجِّلَ مِنْهَا شَاةً ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ نِصَابٌ ، وَكَذَا نَقُولُ فِي نُصُبِ الزَّكَوَاتِ كُلِّهَا ، احْتِجَاجًا بِأَنَّ التَّعْجِيلَ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِهِ دَاخِلٌ فِي مِلْكِ آخِذِهِ ، لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ وَانْتِفَاعِهِ بِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْزَمَهُ زَكَاةُ مَالٍ هُوَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَلَا أَنْ يُضَمَّ إِلَى جُمْلَةِ مَالِهِ .
وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ:"أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ ، فَرَخَّصَ لَهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ هَلِ الْبَاقِي بَعْدَ التَّعْجِيلِ نِصَابٌ ، أَوْ دُونَ النِّصَابِ ؟ فَدَلَّ عَلَى تَسَاوِي الْحُكْمِ فِيهِمَا ، وَلِأَنَّ التَّعْجِيلَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَالْأَمْوَالِ الْمُتْلَفَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ زَكَاتُهَا ، أَوِ الْمَوْجُودَةِ فِي مِلْكِهِ فَيَلْزَمُهُ زَكَاتُهَا ، فَلَمَّا أَجْزَأَهُ التَّعْجِيلُ عَنْ زَكَاتِهِ ثَبَتَ أَنَّهَا كَالْمَوْجُودَةِ فِي مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّ مَا أَتْلَفَهُ غَيْرُ مُجْزٍ فِي الزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تُعَجَّلُ لِلْمَسَاكِينِ رِفْقًا بِهِمْ وَنَظَرًا لَهُمْ ، وَفِي إِخْرَاجِ الْقَدْرِ الْمُعَجَّلِ مِنَ الزَّكَاةِ إِضْرَارٌ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَجَّلَ شَاةً عَنْ مِائَةٍ"