عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ ، إِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لَاحِقٌ لِآدَمِيٍّ فَلَمْ تَلْزَمْ فِيهِ النِّيَّةُ ، وَالزَّكَاةُ عِبَادَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ فِيهَا النِّيَّةٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مُتَعَلِّقًا بِالْبَدَنِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ ، لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ ، فَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِالْمَالِ ، وَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَعَلِّقًا بِالسِّرِّ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ ، فَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِالْمَالِ .
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ إِخْرَاجِ الْوَلِيِّ زَكَاةَ الْيَتِيمِ ، وَأَخْذِ الْوَالِي زَكَاةَ الْمُمْتَنِعِ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ وَلِيَّ الْيَتِيمِ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِالْإِخْرَاجِ ، فَأَجْزَأَتْ نِيَّتُهُ ، وَالْوَالِي الْعَادِلُ لَا يَأْخُذُ مِنَ الْمَالِ إِلَّا مَا وَجَبَ أَخْذُهُ فَلِذَلِكَ أَجْزَأَهُ أَخْذُهُ ، فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ النِّيَّةِ فَفِي مَحَلِّهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عِنْدَ إِخْرَاجِهَا وَدَفْعِهَا ، فَإِنْ نَوَى قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِهِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ .
وَالثَّانِي: عِنْدَ عَزْلِهَا وَقَبْلَ دَفْعِهَا كَالصِّيَامِ ، وَكَذَا فِي مَحَلِّ نِيَّةِ الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ ، فَحَصَلَتِ الْعِبَادَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ فِي ابْتِدَائِهَا كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ ، وَعِبَادَةٌ لَا الجزء الثالث < 179 > تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ فِي ابْتِدَائِهَا بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا كَالصِّيَامِ ، وَعِبَادَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَوْ نَوَى عِنْدَ الدَّفْعِ