لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْكَرَتْ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ خِلَافَهُ ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَالَتْ: أَرَاكَ كَالْفَرُّوجِ يَصْفَعُ مَعَ الدِّيَكَةِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ أَنَّ خِلَافَهُ مُعْتَدٌّ بِهِ ، وَمَانِعٌ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ دُونَهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ عَاصَرَ الصَّحَابَةَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ فَكَانُوا يُفْتُونَ بِاجْتِهَادِهِمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِمْ فَصَارُوا مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَنَعُوهُمْ مِنَ الْفُتَى خَوْفًا مِنَ الْفُتْيَا بِمَا يُخَالِفُهُمْ .
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إِنَّ التَّابِعِيَّ إِنْ كَانَ حِينَ أَدْرَكَهُمْ خَاضَ مَعَهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أُعِيدَ بِخِلَافِهِ ، وَلَمْ يَنْعَقِدِ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ ، وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ سَبَقَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ .
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَكُونُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِجْمَاعٌ عَنْ قَوْلٍ .
وَالثَّانِي: إِجْمَاعٌ عَنِ انْتِشَارٍ وَإِمْسَاكٍ ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى الِانْتِشَارِ وَالْإِمْسَاكِ ، لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِالْتِمَاسِ الدَّلِيلِ ، وَيُحْتَمَلُ الْوِفَاقُ ، فَإِذَا انْقَرَضُوا عَلَيْهِ زَالَ الِاحْتِمَالُ ، وَيَثْبُتُ أَنَّهُ إِمْسَاكُ وِفَاقٍ ، وَلَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَاسِكِينَ فِيهِ ، هَلْ يُعْتَبَرُ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِهِمْ