فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ يَصِحُّ عَلَى هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ كَغَيْرِهِ مِنْ عُقُودِ الْإِجَارَاتِ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى بَيَانِ حُكْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مُعَيَّنًا فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْقِدَاهُ مُعَجَّلًا .
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْقِدَاهُ مُؤَجَّلًا .
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْقِدَاهُ مُطْلَقًا ؛ فَإِنْ عَقَدَاهُ مُعَجَّلًا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدِ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ عَنِّي فِي هَذِهِ السَنَةِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَسِيرُ النَّاسِ مُمْكِنًا وَوَقْتُ مَسِيرِهِمْ مُتَأَتِّيًا ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْبِلَادِ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ مَسِيرِ النَّاسِ صَحَّ الْعَقْدُ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ؛ لِأَنَّ مَنْ بِأَقْصَى بِلَادِ خُرَاسَانَ وَبِلَادِ التُّرْكِ لَا يُدْرِكُ الْحَجَّ إِذَا ابْتَدَأَ بِالسَّيْرِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى يُقَدِّمَ السَّيْرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ وَأَخَّرَ الْمَسِيرَ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا جَازَ .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَسِيرُ النَّاسِ غَيْرَ مُمْكِنٍ وَوَقْتُ خُرُوجِهِمْ غَيْرَ مُتَأَتٍّ ؛ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا لِقُرْبِ الزَّمَانِ وَضِيقِهِ عَنْ إِدْرَاكِ الْحَجِّ فِيهِ ؛ كَالْعِرَاقِيِّ الَّذِي اسْتُؤْجِرَ فِي عَشْرِ النَّحْرِ ، وَإِمَّا لِسَعَةِ الزَّمَانِ وَبُعْدِهِ عَنْ خُرُوجِ النَّاسِ فِيهِ ؛ كَالْعِرَاقِيِّ إِذَا اسْتُؤْجِرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَعَقْدُ الْإِجَارَةِ بَاطِلٌ: لِأَنَّ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ مِنْ تَعْجِيلِ الْحَجِّ