فَفِيهَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا وَرَدَ فِي التَّصْرِيَةِ فَهُوَ أَصْلٌ بِذَاتِهِ ، لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ مُوَافَقَةُ الْأُصُولِ ، كَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ الْقِيَاسُ لِمُخَالَفَةِ الْأُصُولِ .
فَأَمَّا التَّصْرِيَةُ فَلَا وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا بَاطِلًا لِمُخَالَفَةِ الْأُصُولِ مَعَ كَوْنِهِ أَصْلًا ، لَجَازَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأُصُولُ بَاطِلَةً بِهَذَا الْأَصْلِ ، وَإِذَا صَحَّ قَلْبُ هَذَا الْأَصْلِ ، وَهَذَا الْقَوْلِ كَانَ مُطَّرَحًا الجزء الخامس < > وَلَزِمَ اعْتِبَارُ كُلِّ أَصْلٍ بِذَاتِهِ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: كَيْفَ اسْتَخَرْتُمُ اسْتِعْمَالَ الْخَبَرِ فِي الْقَهْقَهَةِ وَالنَّبِيذِ مَعَ مُخَالَفَتِهِمَا الْأُصُولَ ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ هَذَا ! فَإِنْ قَالُوا لِوُرُودِ الرِّوَايَةِ ، قِيلَ فَكَذَلِكَ التَّصْرِيَةُ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} :"مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى"فَمَعْنَاهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَصٌّ يَدْفَعُهُ فَخُذُوا بِهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} أَنَّهُ قَالَ:"لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى اتَّبَعْنَاهُ"، هَذَا مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الْحَشْرِ: ] .
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ خَبَرَ التَّصْرِيَةِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْأُصُولِ مِنَ الْأَوْجُهِ الَّتِي ذَكَرُوهَا بَلْ فِي الْأُصُولِ مَا