مَعَهَا فَصَارَتْ خَلًّا فَطَهَّرَ الْجَمِيعَ ، وَلَا يَكُونُ هَذَا إِزَالَةَ نَجَسٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ انْقِلَابُ خَمْرٍ إِلَى خَلٍّ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْهِرَّةِ إِذَا أَكَلَتْ فَأْرَةً ثم ولغت في الآناء هل ينجس ؟ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ لِأَنَّنَا مَتَى عَلِمْنَا نَجَاسَةَ فَمِهَا بِأَنْ وَلَغَتْ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ عَنِ الْعَيْنِ فَالْمَاءُ نُجِّسَ ، وَإِنْ غَابَتْ عَنِ الْعَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْمَاءَ نَجِسٌ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّجَاسَةِ فِي فَمِهَا .
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الْمَاءِ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنَّ الْهِرَّةَ حِينَ غَابَتْ وَلَغَتْ فِي إِنَاءٍ آخَرَ فَطَهُرَ فَمُهَا .
وَأَمَّا اسْتِشْهَادُهُمْ بِالدِّبَاغَةِ فَحُكْمُهَا خَارِجٌ عَنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدِّبَاغَةَ لَا تَجُوزُ بِالْمَاءِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى الْمَائِعَاتِ حُكْمًا فِي إِزَالَةِ الْأَنْجَاسِ ، لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ سَائِرِ الْأَنْجَاسِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ:"أَوْ عَرَقٍ ، فِيهِ لِأَصْحَابِنَا رِوَايَتَانِ": أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَرِقٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ يَعْنِي عُرُوقَ الْأَشْجَارِ ، إِذَا اعْتُصِرَ مَاؤُهَا هل يتطهر بها ، كَانَ غَيْرَ مُطَهِّرٍ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَرَقٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، يَعْنِي: عَرَقَ الْإِنْسَانِ يَرْشَحُ مِنْ بَدَنِهِ ، لَا يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا ، وَكَذَلِكَ كُلَّمَا اعْتُصِرَ مِنْ أَجْوَافِ الْإِبِلِ إِذَا نُحِرَتْ عِنْدَ الْعَطَشِ لَا يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ ، وَيَكُونُ نَجِسًا وَسُمِّيَ عَرَقًا .