فهرس الكتاب
فَصْلٌ: إِجَارَةُ دُورِ مَكَّةَ جَائِزَةٌ ، وَمَنَعَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ مِنْ إِجَارَتِهَا اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - أَنَّهُ قَالَ فِي مَكَّةَ: إِنَّهَا سَوَائِبُ .
وَرَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} -: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُ رِبَاعِهَا ، وَلَا أُجُورُ بُيُوتِهَا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ إِجَارَتِهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا مِنْ قَوْلِهِ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: هَلَّا نَزَلْتَ فِي دُورِكَ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ .
فَلَوْلَا جَوَازُ بَيْعِهَا مَا أَمْضَى بَيْعَ عَقِيلٍ وَجَعَلَ مُشْتَرِيَهَا مِنْهُ أَحَقَّ بِهَا مِنْهُ ، وَقَدِ اشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَارًا بِمَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَلَمْ يُنْكِرْ شِرَاءَهُ أَحَدٌ ، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ إِلَيْهِمْ دُورَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [ الْحَشْرِ: 28 ] فَاقْتَضَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ بَقَاءَ مِلْكِهِمْ عَلَيْهَا ؛ وَإِذًا لَمَّا ذَكَرْنَا مِلْكَهَا وَجَوَازَ بَيْعِهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ إِجَارَتِهَا .
لِأَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ مِنَ الدُّورِ جَازَتْ إِجَارَتُهُ كَسَائِرِ الْبِلَادِ .
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تُمْلَكْ رِقَابُهَا وَتُسْتَحَقَّ سُكْنَاهَا لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَوْطِنَ بِهَا دَارًا وَلَاسْتَهَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا لِاسْتِوَائِهِمْ فِيهَا ، فَأَمَّا مَا