فَصْلٌ: إِذَا تَقَرَّرَ إِبَاحَةُ الْهِبَةِ أركانها بِمَا ذَكَرْنَا ، فَتَكُونُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: بِمَوْهُوبٍ وَوَاهِبٍ وَمَوْهُوبٍ لَهُ وَعَقْدٍ وَقَبْضٍ .
وَأَمَّا الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ: فَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ صَحَّ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ ، وَذَلِكَ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَوْصَافٍ: أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ مِنْ وَقْفٍ أَوْ طَلْقٍ لَمْ يَجُزْ ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يَجُزْ ، وَأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ نَقْلِ مِلْكِهِ مَانِعٌ ، فَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ كَالْمَرْهُونِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لَمْ يَجُزْ ، فَهَذَا حُكْمُ الْمَوْهُوبِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَحُوزِ وَالْمُشَاعِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ وَلَا يَنْقَسِمُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِبَةُ الْمُشَاعِ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ حكمها جَائِزَةٌ ، وَالْمُشَاعُ الَّذِي يَنْقَسِمُ بَاطِلَةٌ وَدَلِيلُنَا - قَوْلُهُ تَعَالَى -: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [ النِّسَاءِ: 4 ] ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ كَالْمَحُوزِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْوَاهِبُ أركان الهبة فَهُوَ كُلُّ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِكٍ كَالْغَاصِبِ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ مَالِكًا عَنْهُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ كَالسَّفِيهِ وَالْمُولَى عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ .