فهرس الكتاب
أَخَافُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لِأَكَلْتُهَا .
وَرُوِيَ أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ حَمَلَ إِلَى النَّبِيِّ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - طَبَقًا مِنْ رُطَبٍ فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالَ: صَدَقَةٌ ، قَالَ:"إِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ".
فَحَمَلَ إِلَيْهِ طَبَقًا آخَرَ فَقَالَ:"مَا هَذَا"؟ قَالَ: هَدِيَّةٌ .
قَالَ:"إِنَّا نَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَنُكَافِئُ عَلَيْهَا ."
الجزء الثامن < 539 > وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ صَدَقَةِ الْفَرْضِ تَحْرِيمًا وَفِي امْتِنَاعِهِ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْهَا تَحْرِيمًا كَالْفَرْضِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - أَكَلَ مِنْ لَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَقَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ ولَنَا هَدِيَّةٌ .
وَصَدَقَاتُ اللُّحُومِ بِالْمَدِينَةِ كَانَتْ مِنْ ضَحَايَا تَطَوُّعٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْهَا تَنْزِيهًا لَا تَحْرِيمًا: لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يُصَلِّي فِي الْمَسَاجِدِ وَهِيَ صَدَقَاتٌ وَيَشْرَبُ مِنْ بِئْرِ رُومَةَ بِالْمَدِينَةِ وَبِئْرِ زَمْزَمَ بِمَكَّةَ وَهُمَا صَدَقَتَانِ .
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا كَانَ مِنْ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ عَلَى الْأَعْيَانِ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مَسْأَلَةً عَلَى الْكَافَّةِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ مِثْلَ صَلَاتِهِ فِي الْمَسَاجِدِ وَشُرْبِهِ مِنَ الْآبَارِ .
وَالَّذِي أَرَاهُ عِنْدِي أَصَحَّ أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا أَمْوَالًا مُقَوَّمَةً كَانَتْ عَلَيْهِ مُحَرَّمَةً وَمَا لَمْ تَكُنْ أَمْوَالًا مُقَوَّمَةً كَانَتْ لَهُ مُبَاحَةً ؛ فَعَلَى هَذَا كَانَتْ صَلَاتُهُ