فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ حَالِ الْخُطْبَةِ نُظِرَ فِي الْخَاطِبِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ خُطْبَةَ النِّكَاحِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا كَانَتْ خُطْبَتُهُ نِيَابَةً عَنْهُمَا ، وَإِنْ خَطَبَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ خُطْبَةَ النِّكَاحِ فَيُخْتَارُ أَنْ يَخْطُبَا مَعًا: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْدُوبٌ إِلَى مِثْلِ مَا نُدِبَ إِلَيْهِ الْآخَرُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} لَمَّا زَوَّجَ عَلِيًّا خَطَبَا جَمِيعًا .
وَالْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ الزَّوْجُ بِالْخُطْبَةِ ، ثُمَّ يَعْقُبُهُ الْوَلِيُّ بِخُطْبَتِهِ: لِيَكُونَ الزَّوْجُ طَالِبًا وَيَكُونَ الْوَلِيُّ مُجِيبًا ، فَإِنْ بَدَأَ الْوَلِيُّ بِالْخُطْبَةِ ، ثُمَّ خَطَبَ الزَّوْجُ بَعْدَهُ ، جَازَ .
فَإِنْ تَقَدَّمَتْ خُطْبَتُهُمَا قَبْلَ الْبَذْلِ وَالْقَبُولِ ، أَوْ قَبْلَ الطَّلَبِ وَالْإِيجَابِ ، ثُمَّ عُقِدَ النِّكَاحُ بَعْدَ الْخُطْبَتَيْنِ بِالْبَذْلِ أَوْ بِالْقَبُولِ أَوْ بِالطَّلَبِ وَالْإِيجَابِ: فَقَدْ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَاييِنِيُّ: إِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ: لِأَنَّ مَا تَخَلَّلَهُمَا مِنَ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فِي الْعَقْدِ فَلَمْ يَفْسَدْ بِهِ الْعَقْدُ .
وَهَذَا خَطَأٌ ، وَالصَّحِيحُ - وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا كُلِّهِمْ - أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَطَاوُلُ مَا بَيْنَ الْبَذْلِ وَالْقَبُولِ .
وَالثَّانِي: أَنَّ أَذْكَارَ الْخُطْبَةِ لَيْسَتْ مِنَ الْبَذْلِ وَلَا مِنَ الْقَبُولِ ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا فِي الْعَقْدِ فَلَمْ يَفْسَدْ بِهَا الْعَقْدُ فَصَحِيحٌ إِذَا كَانَتْ فِي مَحِلِّهَا