ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، كان المفهوم من قوله: (( مَنْفِي السَّمَاءِ" [الملك: 16] : أنه في السماء، أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء."
وكذلك الجارية لما قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء [1] ، إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها.
وإذا قيل: العلو، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله، كما لو قيل: إن العرش في السماء، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق.
لما بين الشيخ أن المراد بالسماء العلو، وأنه من المستقر في نفوس الناس أن الله تعالى هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، ذكر أنهم يفهمون من وصف الله تعالى بأنه في السماء أن معناه أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء، دون أن يكون في شيء موجود يحيط به، أو يحصره أو يحويه، فإن العلو يتناول ما فوق المخلوقات، وإذا كان المخلوق يمكن أن يوصف بأنه في العلو، دون أن يكون في شيء وجودي يحويه ويحيط به كما في العرش، فالخالق أولى وأحرى بألا يستلزم وصفه بأنه في السماء أن يكون في شيء وجودي، يحيط به، ويحصره.
فلكل مقام مقال:
فإذا قلنا: الطير في السماء، فإنه يعنى به العلو النسبي.
(1) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم 537.