وأيضًا، فلابد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه، فإن الأمور المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز والوجوب والامتناع، فلابدّ من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولابد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت.
وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لابد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى، كما أنه لابد من أمر يُثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيًا كان مخبِرًا عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟
سبق أنه يلزم من جعل العمدة عنده في مطلق الإثبات الاعتماد على مجرد نفي التشبيه أن يجوز وصف الله تعالى بما لا يحصى من الأعضاء والأفعال والنقائص مع نفي التشبيه، وأنه يقال لمن أثبت لله تعالى الصفات الخبرية ونفى عن الله تعالى صفات النقص: ما الفرق عندك بين ما نفيته وما أثبته ما دام أن القاعدة عندك نفي التشبيه؟ وسبق أنه يجعل الفرق بين ما يثبت وما ينفى السمع، فما جاء في السمع إثباته أثبته، وما جاء في السمع نفيه نفاه، وتبين فساد هذا المسلك؛ إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فعدم الدليل المعين على نفي نقص من النقائص ليس دليلًا على عدمها، فيلزم على هذا المسلك أن تكون هذه النقيصة مما يجوز وجودها؛ لعدم الدليل المعين على نفيها باسمها، كما لم يدل دليل على إثباتها، فتكون مما يجوز عقلًا.