فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 610

كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره، وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولابدّ له من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إلا الله وحده، قال تعالى: (( وَمِنْكُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" [الذاريات: 49] أي: فتعلمون أن خالق الأزواج واحد."

ولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد، لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد- كان جاهلًا، فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء، لا واحد ولا اثنان، إلا الله الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون، فالنار التي جعل الله فيها حرارة، لا يحصل الإحراق إلا بها وبمحل يقبل الاحتراق، فإذا وقعت على السمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، وقد يُطلى الجسم بما يمنع إحراقه، والشمس التي يكون عنها الشعاع لابد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل الشعاع تحته، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.

قوله"كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله ..."الخ.

أي: فمن جعل الأسباب هي المبدعة والخالقة للمسببات، ومن ذلك من جعل قدرة العبد هي المبدعة لفعله، كقول القدرية المعتزلة إن العبد يخلق فعل نفسه، فهذا شرك بالله، حيث جعل السبب هو المبدع والموجد للمسبب استقلالًا.

ولهذا قال بعض العلماء: إن الاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد، هذا من نوع الشرك في العبادة. وجعل الأسباب هي المؤثرة في مسبباتها من نوع الشرك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت