ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائمًا فقد افترى، وخالف ضرورة الحس، ولكن قد يعرض للإنسان بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ذلك مما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، فأما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه فهذا ممتنع، فإن النائم لم يسقط إحساس نفسه، بل يرى في منامه ما يسره تارة وما يسوءه أخرى، فالأحوال التي يُعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها لضعف تمييزه لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقًا.
يذكر الشيخ هنا أن من نفى التمييز بين الأشياء مطلقًا، فهو مخالف لضرورة الحس.
وتكلم الشيخ هنا عن بعض مصطلحات الصوفية وهي: الفناء والسكر والاصطلام، وهي عبارات متقاربة مؤداها الوصول إلى حالة يفقد فيها الشخص التمييز بين الأشياء.
فيذكر الشيخ أن الشخص قد يكون في بعض الأحوال والأوقات -كما في المصطلحات السابقة- لا يميز بين بعض الأشياء؛ لوجود ما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، أما أن يسقط إحساسه بالكلية فلا يميز بين الأشياء مطلقًا، فهذا لا يكون مع وجود الحياة. فالنائم - مثلًا- لا يسقط إحساسه بالكلية، بل يحس بنفسه فيرى في منامه ما يسره تارة وما يسوءه أخرى.