إذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء والصفات هو حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد.
ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة، تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلًا وماءً وخمرًا ونحو ذلك، وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته كحقيقته.
فأسماء الله تعالى وصفاته أولى -وإن كان بينهما وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه- أن لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته.
أي: إذا عرف ما تقدم من معاني التأويل وخصوصًا المعنى الثالث وهو الحقيقة، فتأويل ما أخبر الله به عنه نفسه وعن صفاته هو نفسه المقدسة وما قام به سبحانه وتعالى من الصفات، وهذا باعتبار المعنى الثالث من معاني التأويل وهو الحقيقة، فقوله تعالى: (( الرَّحْمَنُعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى"هو نفسه تعالى وما قام به من الاستواء على العرش، وتأويل قوله (( إِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا"هو نفسه المقدسة وما قام به من السمع والبصر، وهكذا القول في سائر نصوص الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم -(ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا) [1] الحديث. وهذا النوع من
(1) أخرجه البخاري في كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل برقم 1145، وأخرجه مسلم (1/ 521) كتاب صلاة المسافرين، برقم 1772.