وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره وفي شر منه، مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات، ولو أمعنوا النظر لسووا بين المتماثلات، وفرقوا بين المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد، ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات.
بعد أن عرض الشيخ مذاهب المعطلة باختلاف طوائفهم، بين أنهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره، وفي شر منه.
فالغلاة فروا من تشبيهه بالموجودات والمعدومات فلزمهم التشبيه بالممتنعات، وهذا أقبح من التشبيه بالموجود، أو المعدوم الممكن، وإن كان الجميع باطلًا.
وهكذا الفلاسفة ينفون عن الله الصفات بشبهة أن إثباتها يلزم عليه التركيب.
وكل من نفى شيئًا مما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فرارًا من شيء فلابد أن يقع في نظيره أو في شر مما فر منه.
ولو أن هؤلاء جميعهم أمعنوا النظر لسووا بين المتماثلات، وفرقوا بين المختلفات، كما هو مقتضى العقول السليمة المتجردة عن الأهواء المضلة، والتعصب.
كما قال تعالى: (( أَمْحَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" [الجاثية: 21] وقال تعالى: (( أَمْنَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ" [ص 28] .