ولهذا يقول أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة. كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء، لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أمر به ونفس ما نهي عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما يعلم أتباع أبقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهم ما لا يعلم بمجرد اللغة. ولكن تأويل الأمر والنهي لابد من معرفته بخلاف تأويل الخبر.
قوله"ولهذا يقول أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة"في نسخة"أبو عبيدة"أي معمر بن المثنى اللغوي، والصواب أنه أبو عبيد القاسم بن سلام، ومعنى كلامه رحمه الله: أن علماء الشرع أعلم بتأويل كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أهل اللغة كما تقدم من قول ابن عباس: وتفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهله، وتفسير تعلمه العلماء، فالفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة، ولهذا تفسر الألفاظ الشرعية لغة، ثم تفسر شرعًا، فيقال مثلًا: الصلاة لغة: الدعاء، وفي الشرع كذا وكذا، وهكذا الصيام والزكاة والحج ونحوها، قوله"لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أمر به ونفس ما نهي عنه لعلمهم بمقاصد الرسول - صلى الله عليه وسلم -"أي: لأنهم يعلمون من المقاصد الشرعية ما لا يُعلم بمجرد اللغة، قوله"كما ذكروا ذلك في اشتمال الصماء"ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن اشتمال الصماء، و هي: لبسة معروفة، فأهل اللغة قالوا: إن اشتمال الصماء أن يلف الإنسان على نفسه ثوبًا ويجعل يديه من داخل بحيث لا يكون له منفذ، أخذًا من الصمم وهو انسداد الأذن، والشيء الأصم الذي لا منفذ فيه، ففهم أهل اللغة من اشتمال الصماء هذا، وأما الفقهاء فعندهم أن اشتمال