المخلوق هو عين وجود الخالق، وأن الوجود واحد بالعين، فهذا قول أهل الإلحاد والاتحاد، الذين هم من أضل العباد.
وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله، فإنه إذا كان مشاهدًا للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور، فعومل بموجب ذلك مثل أن يُضرب ويجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع - فإن لام من فعل ذلك به وعابه فقد نقض قوله، وخرج عن أصل مذهبه، وقيل له: هذا الذي فعله مقضي مقدور، فخلق الله وقدره ومشيئته متناول لك وله، وهو يعمّكما، فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك ولا له. فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر، ويعرض عن الأمر والنهي.
الفناء في اللغة هو: العدم والذهاب والزوال، وللفناء أقسام ثلاثة [1] هي:
الأول: الفناء الديني الشرعي، وهو الفناء بما يريد الله تعالى عن غيره، فيفنى بعبادة الله تعالى عن عبادة غيره، وبالخوف منه عن خوف غيره، والمراد بالخوف هنا الخوف العبادي الإرادي، وهذا الخوف لا يصل إلى درجة التجرد من الخوف الطبيعي، كالخوف من السبع والعدو ونحو ذلك، فإن هذا الخوف الطبيعي ليس بمذموم مطلقًا إلا حين يصل إلى حد ترك ما أوجب الله تعالى، فيكون مذمومًا، كمن يترك الجهاد الواجب في سبيل الله خوف القتل أو العدو.
وهكذا بقية العبادات: فيفنى عن التوكل على غير الله بالتوكل على الله، وعن طاعة غير الله بطاعته وطاعة رسوله، وعن محبة غير الله بمحبته ومحبة رسوله،
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 11/ 337 - 343، طريق الهجرتين ص 260، مدارج السالكين 1/ 167.