وبعد هذه المقارنة يبين الشيخ أن المعتزلة على قبح قولهم خير من الجهمية، فإن الإقرار بالأمر والنهي والوعد والوعيد -مع إنكار القدر- خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي، والوعد والوعيد [1] ؛ لأن هذا الأخير يؤدي إلى فساد الدين والدنيا، وعدم استقرار أمور الفرد والجماعة. فبدعة الجبر والإرجاء أقبح وأظهر فسادًا من بدعة إنكار القدر والقول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار.
ومن آثار هذا التفاوت بين الطائفتين أن إنكار الأمر والنهي والقول بالإرجاء والجبر لم يظهر في عهد الصحابة، وإنما ظهرت بدايتها في القرن الثاني، بخلاف التكذيب بالقدر فقد ظهر في زمن الصحابة، وكذلك بدعة التكفير بالمعاصي ظهرت في عهد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
وهذا يدل على أن بدعة التكذيب بالقدر، والقول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار أخف وأخفى من بدعة الجبر والإرجاء وإنكار الأمر والنهي.
ويذكر الشيخ لهذا قاعدة وهي: إنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخف وأخفى، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة. فالبدع الكبيرة الظاهرة لا تأتي إلا بعد أن تسبقها بدع أصغر منها وأخفى [2] .
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 8/ 100.
(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 28/ 489.