فالإيمان بهذا الأصل يتضمن الإيمان بمراتب القدر الأربعة وهي: الإيمان بعموم علم الله، وكتابه، ومشيئته، وخلقه.
ومع إيمان أهل الهدى والفلاح بالقدر وأن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه، فهم لا ينكرون ما خلقه الله تعالى من الأسباب التي يخلق بها المسببات، بل هم يثبتون الأسباب.
ويدخل في إثبات الأسباب إثبات الأمر والنهي، وهذه من المسائل الكبيرة التي انقسم فيها الناس واختلفوا فيها تبعًا لاختلافهم في القدر.
والأسباب نوعان: أسباب كونية، وأسباب شرعية، فمن الأسباب الكونية: إنزال الماء بالسحاب، وإثبات الزرع بالماء كما قال تعالى: (( وَهُوَالَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ" [الأعراف: 57] ، فالباء في قوله به سببية. وهكذا سائر الأسباب التي تحصل من المخلوقات هي أسباب كونية."
ومن أدلة الأسباب الشرعية: الإضلال والهداية بالقرآن كما قال تعالى: (( يُضِلُّبِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا" [البقرة: 26] ، فالقرآن في ذاته خير ورحمة وهدى فقد يكون النافع ضارًا لأسباب خارجية، ولعدم سلوك الطريقة الصحيحة للانتفاع به، فالقرآن سبب لهداية من أراد الله هدايته فيحصل له الانتفاع به، ويكون سببًا لضلال من أراد الله إضلاله وشقاوته فيكذب ويعرض عنه، وكما قال تعالى: (( يَهْدِيبِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ" [المائدة: 16] .