وجماع ذلك أنه لابد له في الأمر من أصلين، ولابد له في القدر من أصلين، ففي الأمر عليه الاجتهاد في الامتثال علمًا وعملًا، فلا يزال يجتهد في العلم بما أمر الله به، والعمل بذلك، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور، وتعديه للحدود.
ولهذا كان من المشروع أن تختتم جميع الأعمال بالاستغفار فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقد قال تعالى: (( وَالْمُسْتَغْفِرِينَبِالْأَسْحَارِ" [آل عمران: 17] فقاموا الليل ثم ختموا بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قوله تعالى: (( إِذَاجَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا" [سورة النصر] ، وفي الحديث الصحيح أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) يتأول القرآن [1] .
وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويستعيذ به، فيكون مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر، وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدَّر عليه.
ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى، لما قال: يا آدم أنت أبو البشر
(1) أخرجه البخاري (1/ 274) كتاب صلاة الليل، باب الدعاء في الركوع برقم 817، ومسلم (1/ 350) كتاب الصلاة برقم 484.