الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: 55] . وقد فسر الاعتداء بالجهر في الدعاء.
قلت: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الراجح في تفسيره أنه تجاوز المأمور به، أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه، والحاكم في مستدركه وصححه عن أبي نعامة رضي الله عنه: (أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة. فقال: إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون بالدعاء» ) فهذا تفسير صحابي، وهو أعلم بالمراد.
الثاني: على تقدير التسليم فالآية في الدعاء لا في الذكر، والدعاء بخصوصه؛ الأفضل فيه الإسرار، لأنه أقرب إلى الإجابة، ولذا قال تعالى: {إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا} [مريم: 3] . ومن ثمّ استحب الإسرار بالاستعاذة في الصلاة اتفاقا لأنها دعاء.
فإن قلت: فقد نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد. قلت: هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج إلى بيان سنده، ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم، وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة، وهي مقدمة عليه عند التعارض، ثم رأيت ما يقتضي إنكار ذلك عن ابن مسعود، قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا المسعودي عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر، ما جالست عبد الله مجلسا إلا ذكر الله فيه. وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت البناني قال: إن أهل ذكر الله ليجلسون إلى ذكر الله وإن