وحين أراد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن يمنع جيش المسلمين من دخول الشام حذرا من الطاعون، قال له سيدنا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: (أفرارا من قدر الله؟! فأجابه سيدنا عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نحن نفرّ من قدر الله إلى قدره) (1) .
فليس في الرضا بالقضاء ما يستلزم الخروج عن حدود الشرع، ولكن الرضا بقضاء الله تعالى معناه ترك الاعتراض عليه تعالى ظاهرا وباطنا، مع بذل الوسع للتوصل إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه، وذلك بفعل أوامره وترك نواهيه.
وختاما: فإن في سيرة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وسلّم وخلفائه وصحابته الكرام رضوان الله عليهم والتابعين والصالحين فيض من الحوادث التي تدل على تحققهم بأعلى درجات الرضا، مما يضيق المجال عن سرد الكثير منها، ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الطائف بالحجارة حتى أدمي عقبه فتوجه إلى الله تعالى مخاطبا: ومما قال: «إن لم تكن ساخطا عليّ فلا أبالي» .
وكان الصحابة الكرام يعذّبون في مكة ويقلب عليهم ألوان التنكيل والإيذاء وهم يتلقون ذلك كله بقلوب راضية، ووجوه مبتسمة، وألسنة ذاكرة.
وروي أن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قطعت رجله ومات أعز أولاده في ليلة واحدة، فدخل عليه أصحابه وعزوه فقال: (اللهم لك الحمد، كان أولادي سبعة فأخذت واحدا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف
(1) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الطب باب ما يذكر في الطاعون عن ابن عباس رضي الله عنهما. ورواه مسلم في صحيحه في كتاب السّلام باب الطاعون.