عيونهم (1) ، والراحة مرتاحة إلى جنوبهم. الليل عندهم أجلّ الأوقات في المراتب، ومسامرهم عند تهجدهم يرعى الكواكب. هجروا المنام في الظلام، وقلدوا بطول المقام، وناجوا ربهم بأطيب كلام، وأنسوا بقرب الملك العلاّم، لو احتجب عنهم في ليلهم لذابوا، ولو تغيّب عنهم لحظة لما طابوا .. يديمون التهجد إلى السحر ويتوقعون ثمر اليقظة والسهر ..
بلغنا أن الله تبارك وتعالى يتجلى للمحبين، فيقول لهم: من أنا؟ فيقولون: أنت مالك رقابنا، فيقول: أنتم أحبتي، أنتم أهل ولايتي وعنايتي هاوجهي فشاهدوه، ها كلامي فاسمعوه، ها كأسي فاشربوه: {وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا} [الدهر: 21] .. إذا شربوا طابوا، وإذا طابوا طربوا، وإذا طربوا قاموا، وإذا قاموا هاموا.
لمّا حملت ريح الصبا قميص يوسف، لم يفضض ختامه إلا يعقوب .. ما عرفه أهل كنعان ومن عندهم خرج، ولا يهوذا وهو الحامل (2) .
والحب فطرة في النفس الزكية، تنزع بها إلى تفهم حقيقتها والشوق إلى التعرف على خالقها. ويزداد الحب كلما ازداد الإيمان، وبمقدار كمال النفس يكون الحب، وعلى قدر الحب تكون السعادة ويكون
(1) قال في «القاموس» . القرم محركة: شدة شهوة اللحم، وكثر حتى قيل في الشوق إلى الحبيب. ج 4. ص 163. وكأنه يقول: النوم مشتهى إلى عيونهم، إلا أن الشوق إلى الله تعالى أبعد النوم عن عيونهم.
(2) كتاب «نهر الذهب في أخبار من ذهب» للشيخ كامل بن حسين الحلبي الشهير بالغزي ج 2. ص 191 و 192.