وقد كان عمران بن الحصين رضي الله عنه يسمع تسبيح الملائكة حتى اكتوى، فانحبس ذلك عنه، ثم أعاده الله إليه. وروى ابن الأثير رحمه الله تعالى في أسد الغابة بسنده إليه، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الكيّ، قال عمران: فاكتوينا، فما أفلحنا ولا نجحنا.
قال: وكانت الملائكة في مرضه تسلم عليه، فاكتوى ففقد التسليم ثم عادت إليه (1) .
(1) وقد ألف العلامة الكبير جلال الدين السيوطي رسالة سماها «تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك» ننقل منها ما يهمنا في موضوعنا الذي نتكلم فيه.
قال جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: (أخرج مسلم في صحيحه عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين رضي الله عنه: قد كان يسلم علي حتى اكتويت فترك ثم تركت الكي فعاد. وأخرج مسلم من وجه آخر عن مطرف قال: بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال: إني محدثك فإن عشت فاكتم عني، وإن متّ فحدّث بها إن شئت: إنه قد سلّم عليّ.
قال النووي في شرح مسلم: معنى الحديث الأول أن عمران بن حصين كانت به بواسير، فكان يصبر على ألمها، وكانت الملائكة تسلم عليه، واكتوى، وانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه. قال: وقوله في الحديث الثاني: فإن عشت فاكتم عني، أراد به الإخبار بالسلام عليه، لأنه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته لما فيه من التعرض للفتنة بخلاف ما بعد الموت.
وقال القرطبي في شرح مسلم: يعني أن الملائكة كانت تسلم عليه إكراما له واحتراما، إلى أن اكتوى فتركت السّلام عليه، ففيه إثبات كرامات الأولياء ..
وقال القاضي أبو بكر بن العربي أحد الأئمة المالكية، شارح صحيح الترمذي، في كتاب قانون التأويل: ذهبت الصوفية إلى أنه إذا حصل للإنسان طهارة النفس في تزكية القلب، وقطع العلائق، وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال والخلطة بالجنس، والإقبال على الله تعالى بالكلية، علما دائما وعملا مستمرا، كشفت له القلوب، ورأى الملائكة وسمع أقوالهم، واطلع على أرواح الأنبياء، وسمع كلامهم، ثم قال ابن العربي من عنده: ورؤية الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم =