فما مصداق ما تقول؟». قال: يا نبي الله! ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمسي، وما أمسيت مساء قط إلا ظننت أني لا أصبح، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتبعها أخرى، وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها، معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار، وثواب أهل الجنة. قال: «عرفت فالزم» (1) .
فلم يصل الصالحون إلى هذه الكشوفات والمعارف إلا بتمسكهم بالكتاب والسنة، واقتفائهم أثر الرسول الأعظم وأصحابه الكرام، ومجاهدتهم لأنفسهم، من صيام وقيام، وزهدهم في هذه الدنيا الفانية، كما أكرم الله معاذا رضي الله عنه بهذا الكشف الذي أقره عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «عرفت فالزم» .
وهذا الإمام الشعراني رحمه الله تعالى يتحدث عن إكرام الله تعالى للصوفية الذين ساروا على نهج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه من أمثال معاذ رضي الله عنه فيقول:
(اعلم يا أخي أن علم التصوف عبارة عن علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، فكل من عمل بهما انقدح له من ذلك علوم وآداب وأسرار وحقائق، تعجز الألسنة عنها، نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من أحكام، حين عملوا بما علموه من أحكامها) (2) .
وقد كان علماء السلف الصالح رضي الله عنهم يعملون بكل
(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية ج 1. ص 242.
(2) «التصوف الإسلامي والإمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص 70.