دفعه، فكأنه ما زال يعلمه، ولا يدري كيف حصل له ذلك. هذا شأن المريد الصادق، وأما الكاذب فلا يعرف ما يسمع، ولا يدري ما يقرأ، ولم يزل علماء الظاهر في كل عصر يتوقون في فهم كلام القوم. وناهيك بالإمام أحمد بن سريج، حضر يوما مجلس الجنيد، فقيل له:
ما فهمت من كلامه؟ فقال: لا أدري ما يقول، ولكن أجد لكلامه صولة في القلب ظاهرة. تدل على عمل في الباطن وإخلاص في الضمير، وليس كلامه كلام مبطل. ثم إن القوم لا يتكلمون بالإشارة إلا عند حضور من ليس منهم، أو في تأليفهم لا غير .. ثم قال: ولا يخفى أن أصل الإنكار من الأعداء المبطلين إنما ينشأ من الحسد، ولو أن أولئك المنكرين تركوا الحسد، وسلكوا طريق أهل الله، لم يظهر منهم إنكار ولا حسد، وازدادوا علما إلى علمهم. ولكن هكذا كان الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (1) .
وقال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته شارحا كلام صاحب الدر المختار، حين سئل عن فصوص الحكم للشيخ محي الدين بن عربي: (يجب الاحتياط؛ لأنه إن ثبت افتراؤها فالأمر ظاهر، وإلا فلا يفهم كل واحد مراده فيها، فيخشى على الناظر فيها من الإنكار عليه، أو فهم خلاف المراد. وللحافظ السيوطي رسالة سماها: [تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي] ، ذكر فيها أن الناس افترقوا فيه فرقتين: الفرقة المصيبة تعتقد ولايته، والأخرى بخلافها. ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا يرضاها الفرقتان؛ وهي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه، وقد نقل عنه أنه قال: [نحن قوم يحرم النظر في كتبنا] ، وذلك
(1) اليواقيت والجواهر للشعراني ص 19.