والكمال هو النظر بالعينين معا، فنشهد المسبّب ولا نهمل السبب.
ولتوضيح هذه الفكرة نسوق بعض الأمثلة عليها:
-إن الله تعالى وحده هو خالق البشر؛ ومع ذلك فقد جعل لخلقهم سببا عاديا، وهو التقاء الزوجين، وتكوّن الجنين في رحم الأم، وخروجه منه في أحسن تقويم.
-وكذلك فإن الله تعالى هو وحده المميت؛ ولكنه جعل للإماتة سببا هو ملك الموت، فإذا لا حظنا المسبب قلنا: الله {يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ}
[الزمر: 42] .
وإذا قلنا: إن فلانا قد توفاه ملك الموت، لا نكون قد أشركنا مع الله إلها آخر؛ لأننا لا حظنا السبب، كما بينه الله تعالى في قوله: {* قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11] .
-وكذلك فإن الله تعالى هو الرزاق، ولكنه جعل للرزق أسبابا عادية كالتجارة والزراعة .. فإذا لا حظنا المسبب في معرض التوحيد، أدركنا قوله تعالى: {إِنَّ الله هُوَ اَلرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] . وإذا لا حظنا السبب وقلنا: إن فلانا يرزق من كسبه، لا نكون بذلك قد أشركنا، فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده» (1) . وقد جمع الرسول صلّى الله عليه وسلّم بين النظرتين توضيحا للأمر وبيانا للكمال في قوله: «وإنما أنا قاسم والله يعطي» (2) .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، عن المقدام رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا، عن معاوية رضي الله عنه.