يصرخون بين القطعان الضالة من البشر، ليقولوا لها: إن التصوف جزء من الإسلام وجانب من هدي الرسول عليه الصلاة والسّلام، وأن التصوف مظلوم، فقد أضيف إليه كثير مما ليس منه عن حسن نية أو سوء قصد، وقد كتم أدعياؤه كثيرا من أموره، وقد تطاول عليه بالتحريف قوم نكل حسابهم إلى الله، وقد تسرع بالسخرية منه من لم يطرقوا بابه، ولم يذوقوا شرابه، ولم يطالعوا كتابه .. ولم يجد التصوف الكريم الذي أضاعه الناس مع هذه العوامل الهدامة كلها من يأخذ بناصره، أو يجلو الغياهب عن مآثره، أو يعرض على الشانئين أو الخاطئين سلاسل مفاخره. وقد علمتنا الدراسات والتجارب أن الحق إذا لم يجد أهلا، ولم يفز بمؤيد أو مستجيب انطوى وتوارى، حتى يهيء الله له بعد قليل أو طويل من يذكّر به أو يدعو إليه، أو يحمل الناس رغبة أو رهبة عليه، فإذا هو بعد انطوائه السيد المطاع.
أ رأيت إلى كنز وسيع عجيب، فيه المال الغزير الذي لا يحصى، وفيه أدوية الجسم الشافية التي لا تخون، وفيه علاج النفس الذي يهدي، وفيه نور القلب الذي لا يخبو .. ماذا يكون من شأنك لو أن إنسانا أخبرك بوجود هذا الكنز في مكان ما، ورسم لك الطريق إليه، وذكر لك ما تحتاجه الرحلة نحوه من مجهود وتكاليف؟ .. ألا تحاول أن تبذل جهدك وتستنفذ طاقتك، وتعمل وسعك حتى تصل إلى هذا الكنز الذي ستجد عنده جاه الدنيا وعز الآخرة؟ ..
كذلك شأن التصوف يا صاح، إنه الدواء المخفي والكنز المطوي والسر العلمي، إنه الدواء الذي يحتاج إليه جسمك وفهمك وخلقك، ولكنك لن تصل إليه ولن تنتفع به حتى تتجه بمشاعرك نحوه، وحتى تقبل ببصرك وبصيرتك عليه، وحتى تبذل من ذات يدك، وذات نفسك ومن